نقل الاختصاصات من وزارة العدل إلى رئاسة النيابة العامة أثار عدة مشاكل
(2/1)
بقلم: ذ. أبو مسلم الحطاب*
بعيدا عن البحث في تعدد السلط في النظام البرلماني، وفي مبدأ الفصل بين هذه السلط، تاريخياً وفلسفياً، سنجنح إلى الواقع الذي نعيشه، نتيجة لاستقلال السلطة القضائية، وبالأخص النيابة العامة التي أضحت هي الأخرى مستقلة عن السلطة التنفيذية، ممثلة في وزارة العدل، شأنُها شأن القضاء الحاكم (أو الجالس)، بعد ما كان القضاء برمته يتأرجح بين الاستقلال والتبعية لوزارة العدل.
كانت الدساتير المغربية، بدءاً بدستور 1962 وانتهاء بدستور 1996، تعتبر القضاء مستقلا عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، بينما كان ظهير 11 نونبر 1974 المكون للنظام الأساسي لرجال القضاء، يعتبر القضاء « هيئأة»، وعمله « وظيفة»، وأن رجاله خاضعون لسلطة وزير العدل: تعيينا، وترقية، ونقلا، وانتدابا، وأن هذا الأخير، بصفته عضوا في الحكومة مسؤول معها، وعلى وجه التضامن، عن السياسة الجنائية التي تهدف أساسا إلى مكافحة الجريمة التي أخذت أشكالها وصورها تتسارع، وتتطور بشكل تصاعدي، وتتجاوز الحدود الوطنية، كالجريمة المنظمة وغسل الأموال والقرصنة والاتجار بالبشر وغيرها، مما يوحي به التقدم التكنولوجي، وذلك رغم ما اقتضته السياسة الجنائية من إنشاء وسائل تساعد على كشف جرائم الفساد المالي غضة طرية، وحماية كاشفيها من ضحايا، ومبلغين، وشهود، ومن عقوبات زجرية وتدابير وقائية، وذلك لتحقيق الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار، مما يعبر عنه «بالسياسة الجنائية»، التي تتطور وتتغير حسب الزمان والمكان والأشخاص، وحسب التطور الحاصل في وسائل الإجرام، عملا بمبدإ « تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور».
بيد أنه إذا كانت السياسة الجنائية جزءاً لا يتجزأ من السياسة العمومية المنوطة بالحكومة، باعتبارها سلطة تنفيذية، ممثلةً في وزير العدل الذي كان يشرف على تنفيذها بواسطة النيابة العامة، وأصبحت النيابة العامة مؤسسة قائمة بذاتها، ومستقلة عن السلطة التنفيذية، أي عن وزارة العدل، ونقلت الاختصاصات التي كانت مخولة لوزير العدل في مجال السياسة الجنائية، إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة ومشرفا على كل أعضائها بمختلف درجاتهم ورتبهم، وفي أي محكمة كانوا، (إذا كان كل ذلك)، فإن نقل تلك الاختصاصات من وزارة العدل إلى رئاسة النيابة العامة، أثار عدة مشاكل، لعل أهمها مايلي:
أولا – أن الوكيل العام لدى محكمة النقض، باعتباره رئيسا للنيابة العامة، وحسبما جاء في المشروع، ليس سياسيا، ولا محاسَباً على السياسة الجنائية، وتطويرها بتجريم ما يستجد من الأفعال التي يفرزها التقدم التكنولوجي والتي تستحق الضرب على يد مرتكبيها، لأنه مقيدا بمبدإ « لاجريمة ولاعقوبة إلا بنص» الذي يمنع القياس من جهة، ولأن ذلك من صلاحيات السلطة التشريعية من جهة أخرى، ولأن الوكيل العام للملك باعتباره رئيسا للنيابة العامة، غيرَ مسموح له بتمثيل دولته في المؤتمرات والملتقيات الدولية التي تعقد لتدارس ظاهرة الإجرام واقتراح الوسائل الفعالة لمحاربتها، كما كان يفعل وزير العدل، وإنما يجب عليه فقط تنفيذها.
ثانيا – أن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، والمسؤول عن تنفيذ السياسة الجنائية، لم يؤخذ رأيه في مشاريع التشريعات الجنائية واقتراحاتها، قبل عرضها على البرلمان.
وواضح أن مشروع القانون رقم 17-33 لم يعط حلولا لهذه الإشكاليات، لا بدلالة الإشارة، ولا بدلالة العبارة، وإنما اقتصر في مادته الثانية على الاختصاصات التقليدية الموكولة أصلا للنيابة العامة، إذ جاء فيها «… يمارس الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، سلطته على قضاة النيابة العامة التابعين له بمختلف محاكم المملكة.
وفي هذا الإطار يمارس قضاة النيابة العامة مهامهم واختصاصاتهم المنصوص عليها في التشريعات الجاري بها العمل تحت سلطة وإشراف ومراقبة رئيس النيابة العامة ورؤسائهم التسلسليين». وفي مادته الثالثة، وهي أهم مادة من مواد المشروع، لتعلقها بالاختصاصات الجديدة التي أصبحت على عاتق رئاسة النيابة العامة، حيث جاء فيها «يحل الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، محل وزير العدل في ممارسة الاختصاصات الموكولة لهذا الأخير المتعلقة بسلطته وإشرافه على النيابة العامة وعلى قضاتها بما في ذلك إصدار الأوامر والتعليمات الموجهة إليهم طبقا للنصوص التشريعية الجاري بها العمل.
وعلاوة على الاختصاصات الموكولة إليه بموجب النصوص التشريعية الجاري بها العمل، يحل الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، محل وزير العدل في:
الإشراف على عمل النيابة العامة ومراقبتها في ممارسة صلاحياتها المرتبطة بممارسة الدعوى العمومية ومراقبة سيرها.
– السهر على حسن سير الدعاوى في مجال اختصاصها.
– ممارسة الطعون المتعلقة بالدعاوى المشار إليها أعلاه.
– تتبع القضايا المعروضة على المحاكم».
*دكتور في الحقوق
رئيس غرفة سابقا لمحكمة النــقـض
محام بهيأة البيـــــضاء

Commentaires
Enregistrer un commentaire